مقالاتي

العيش تحت كنف الترند

+2

العيش تحت كنف الترند

مع انتشار عدوى التوحد مع الأجهزة المحمولة والتطور التقني الذي يضع قوالب معينة في مدى رؤيتك للأمور التي تتطاير هنا وهناك، فإن الأمر لا يخلو من الانغماس في قوالب مرسومة أعدت خصيصاً لك وفق منهجية العولمة والقرية الواحدة.

على سبيل المثال حينما تستمع لأغنية معينة أصبحت ترند هل من المفترض أن تستمع لها كالبقية أو كأغلب الناس؟ وتنفي اختياراتك الشخصية وتفضيلاتها؟ لكي تصبح كالبقية ومع الإيقاع تتماهى، فالقوالب المتعددة والألبسة الرائجة والعطور والهواتف المحمولة ماهي إلا جزء بسيط ممنهج بخطة تسويقية معينة من كبرى الشركات العالمية حتى تصبح كالقلادة في العنق تتحرك معهم في نفس الطريق.

وبالتالي الخروج من مأزق القولبة لا يحتاج إلا شخصية متفردة في اختيار قراراتها مهما كانت الإعدادات الافتراضية سهلة الاستخدام.

فالأشخاص المبدعين في مجالاتهم، ومن قدموا إضافة أو قيمة خرجوا عن الأفكار التقليدية التي تُملى عليهم من قبل الآخرين، بل وفي بعض الأحيان استفادوا من التجارب السابقة في نظرة شمولية تخرجهم عن النطاقات التقليدية.

ليس هناك داعي لكي تشتري كتاباً لأن شخصاً مشهور يروج له بغرض الدعاية المدفوعة له فمشاركته لصورة الكتاب لا تعني بأنه شخص قد قرأ الكتاب، وليس هناك سبب لكي تبدأ في عالم القراءة من ذلك الكتاب الذي سوف تضعه في مكان ما حتى يعلوه الغبار والأتربة.

الفكرة أن تتبع شغفك وأن تصنع عالمك الخاص بأفكارك التي كونتها من الحياة ومن نفسك.

أن تبحث عن سبل الإبداع في داخلك، أن تكون شخص انتقائي وليس إتباعي ترندي بلا هوية ولا قيمة تتعامل مع العالم كما يريده لك، بلا تفكر ولا تأمل ولا غاية مما يجعلك شخص عديم الطموح ونسخة مكررة من ملايين النسخ المتوفرة في الأسواق.

الإبداع هو التميز وليس التكرار هو الشخصية المستقلة وليس الترند فليس من المنطق أن تتحدث في كل الأمور حينما يتحدث الآخرون فأنت لا تعلم كل شيء عن أي شيء ذلك هو من يخرج لنا العقول الفارغة المليئة بالتفاهة والسطحية المقززة.

قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ((أظل أهاب الرجل حتى يتكلم، فإن تكلم سقط من عيني، أو رفع نفسه عندي)) وأيضاً قديماً قال الفيلسوف اليوناني سقراط (( تكلم حتى أراك)).

فالكلمة لها القوة والتأثير فيمن حولك والانطباع لا يأتي إلا من الكلمة وحينما تصبح شخص تعيش في كنف القوالب المعدة لك مسبقاً، أن تفكر بنفس الطريقة أن تصدق جميع الإشاعات المتداولة بل وتحاول نشرها في وسائل التواصل الاجتماعي لأنك مؤمن بصحتها فأنت بذلك أصبحت عبداً للترند الذي ستأتي جهة مسؤولة وتنفيه في اليوم التالي.

العيش تحت كنف الترند

التعامل مع الحياة وطريقة تفكيرك هي من تحدد مصيرك في المجتمع إما أن تكون مع القطيع وأما أن تكون لك المكانة والمنزلة التي تبنيها باختياراتك، ولا أقصد بأن تكون تلك المنزلة مصنفة اجتماعياً بل أقصد سلوكياً فالمكانة الاجتماعية هو مدى علمك واطلاعك حتى تحصل على منصب أو تصنيف أو مجال يميزك في مجتمعك تستطيع فيه أن تقدم للمجتمع قيمة مضافة.

أتحدث هنا عن السلوك الذي يكون شخصيتك، وقناعاتك، ورغبتك في التفكير والتعبير عن آرائك، فالعالم الرقمي إما أن يأخذك إلى مساحته الخاصة ابتداء من استيقاظك من النوم، وحتى آخر ساعة تقضيها قبل النوم، وأما أن تصبح من الذين استطاعوا أن يفيدوا العالم لعلمهم وعملهم وتفردهم.

ليس هناك ترند يقيدك بأغنية ترددها، أو منتج تأكله، أو مقهى تتردد عليه، أو طريقة في اللباس، أو كلمة أصبحت ترند، أو مقلب منتشر، جميعها أمور تؤثر في عقلك اللاواعي وتصبح تفكر بنفس الطريقة ونفس الآلية وبالطبع المخرجات واحدة.

إنما الانتقائية باتت مطلب في العصر الترندي لكي تصبح فريد ببشريتك أولاً وبتجربتك الإنسانية كونك إنسان وليس ترند.

+2

معتصم باكراع

مدّوِن وكاتب محتوى، هوايتي جمع الأحرف المتناثرة وصنع المعنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Open chat
اهلاً وسهلاً
هل لديك استفسار أو سؤال عن كتابة المحتوى، لا تتردد بالتواصل معي